ثقافة

إنسانية الأكاديميين المهدورة !

إنسانية الأكاديميين المهدورة !

د/ علي عزي
إنسانية الأكاديميين المهدورة !

لم تنج حياة الأكاديميين اليمنيين من عاصفة انهيار العملة وتهاوي قيمتها، ولم تظفر معيشتهم بصمود يجنبها البؤس السائد والشقاء العارم، ويصون كرامتها، ويحفظ إنسانيتها التي أهدرها الغلاء والإهمال وضحالة الحقوق المادية التي لا تسد رمق احتياجاتهم ومستلزمات حياتهم كنخب معرفية وصناع مستقبل الأجيال، أفنوا العمر في سبيل تأدية رسالتهم العلمية والإخلاص في ترسيخ أعمدة العلم وتنوير المجتمع بلا عائد مادي يليق بمهامهم أو يمنحهم ستراً معيشياً مناسباً، لكنهم حتماً غرقوا في ظروف معيشية قاسية وفاقة وعوز منهك، ومعاناة فتكت باستقرارهم وفضحت قدرتهم على تحمل تكاليف أسرهم والإبقاء على هيبتهم ومكانتهم الاجتماعية المصونة .ظل الأكاديميون عقداً يرفضون الانكسار والاعتراف بهزيمتهم أمام وضعهم المزري ومأساتهم الإنسانية المتكدسة، حتى سقطوا في وحل الانكشاف وسُمعت آهات ضيقهم وسواد أيامهم، فخلف جدران منازلهم تنشب معركة صراع من أجل البقاء، وكفاح مستميت يوازن بين مرتب ضئيل انهارت قيمته إلى 10% مما كانت عليه قبل الحرب وبين احتياجات السكن والأكل والشرب والدواء وتعليم الأبناء، فارق مهوول ومقارنة منهزمة، بين رواتبهم وخرجهم اليومي والشهري، ليس هناك منافذ أخرى أو وسائل دخل بديلة، كبحر يستقي من إناء.من يستشعر أوجاعهم، ويستمع لمشاكلهم المادية، ويدرك حجم الشقاء الذي يعيشونه والإذلال الذي يتجرعونه، والعوز الذي يقيم في منازلهم وبين أفراد عوائلهم، لقد ضاق حالهم واشتد عجزهم؟منهم المريض والمشرد والنازح و البعيد عن أسرته والمديون والعامل بالأجر اليومي، تفرقوا بين أوجاع كثر وهموم شتى وحكايات مؤلمة ترصد أوجه معاناتهم وتكشف سترهم المفضوح واستقرارهم المتأزم، ولا أحد يأبه بمشاكلهم أو يلتفت لمكابدتهم وإهدار كرامتهم العلمية والإنسانية .عقد مر عليهم كنصف قرن، تدهورت صحتهم وانحنت ظهورهم، وارتسمت التجاعيد في وجوههم، وتجمدت أحلامهم ومشاريعهم البحثية والعملية، فهم منهكون، متعبون بائسون مقهورون مما وصل إليه حالهم، وعاجزون عن تسيير شؤون بقائهم في هذا الواقع المستلب لسكينتهم والمفزع لاحتياجهم.عار علينا خذلانهم، والسكوت عن حقوقهم، والتغاضي عن مساندتهم ونيل مطالبهم، فتجاهلنا لمشاكلهم والصمت عن عذاباتهم فضيحة أخلاقية وإنسانية، وإدانة كبيرة لواجبنا تجاههم كمجتمع ودولة كإعلام وصحافة كقادة وعامة كمسؤولين ومواطنين، فنحن نسهم في إطفاء مشاعل التنوير وهدم أقطاب العلم واغتيال صفوة المجتمع بجعلهم لقمة سائغة يعبث بها الفقر والعجز والحاجة .لزاماً علينا أن نصرخ بصوت عال منددين ومستنكرين ومتذمرين من الحالة المهينة التي وصل إليها الأكاديميون اليمنيون ونطالب بتقديم معالجات فورية وإنقاذ عاجل لما تبقى من إنسانيتهم، فمثلهم لا يعقل أن نقبل بضياع حقوقهم واستمرار ازدراء وضعهم، فأوجاعهم هي أوجاعنا وأنينهم هو أنيننا، ولابد من تفادي مخاطر انهزام نفسيتهم وانتهاك حرمة عزتهم واستقرارهم.على الدولة بكل إمكانياتها صون كرامة نخبنا وتقدير حاجتنا لهم وإعادة الاعتبار لأهميتهم وتحسين مستواهم المعيشي مهما كانت قدرتها، فلا بقاء لها ولا قيمة مالم تتكفل بحياة كريمة لكل أكاديمي يمني .