مساء السجن الذي يمتد كجرح نازف، وأنت تقطن في شقوقه يا محمد. هل تسمع صوت الندى يهمس بأسمائنا في غروب صنعاء؟ أم أن سماءك صارت حديدًا يثقل جفونك المتعبة؟ أنت الذي جعلت من الكلمة مشعلًا يشق عتمة الخوف، تسلم رقبتك للسيافين كي لا تخون حروفك. أي جنون هذا الذي يدفع كاتبًا ليكون جرحًا في خاصرة الظلم؟
الآن، بين جدران زنزانة لا تعرف الفجر، تكتب سفر المقاومة بأظافرك. أتعرف؟ ليس الجلادون أشرس من صمتك! كلما ضيقوا الخناق على أنفاسك، تفتح نوافذ الروح لتستنشق عطر الياسمين الذي زرعته في ذاكرة المدينة. سجنوك ظنًا أن الكلمة تموت بحبس كاتبها، لكن حروفك صارت شفاهًا تهمس في آذان المظلومين: "لا تستسلموا".
يا صديقي، أي جبل أنت تحمله فوق كاهليكَ كي لا يسحق قلوبنا؟ نعرف أن ضحكتك التي تشق الظلام كالبرق ما زالت ترتعش خلف القضبان. كنا نخشى أن يسرقوها من عينيك، فإذا بك تسرق من سجنك شعلة تضيء لنا درب العودة. ليتهم يعلمون أن الأصفاد لا تمسك إلا الأجساد، أما أرواح الأحرار فَتَسكُن الفضاء كالطيور المتمردة.
قيل إنهم يجلدون الكلمة بسياط الخوف، لكن سرديتك تتمدّد كالنار في حطب الصمت. محمد ليس رقمًا في زنزانة، بل إعصار يصنع من قيوده أجنحة. كلما سقطت دمعة على وجه الحقيقة، تثير أمواجًا تغسل أوحال الخذلان. ستبقى كلمتك سيفًا معلقًا فوق رؤوسهم، تذكرهم أن الظلم موت بطيء، وأن الحرية طفل يولد من رحم العناء.
أتراك تسمع صوت الأمهات يصرخن في الميادين: "ابني بريء"؟ هل تعرف أن جدار السجن يتشقق كل ليلة من صلوات الوالدة التي ترفع يديها كسفينة تبحر نحوك؟ لا تخف، فالعالم يرى. ستجيء لقطاتك الأخيرة — حين تخرج — كسيناريو فيلم ينتصر فيه البطل المنهك، ويسقط الطغاة كأوراق الخريف البالي.
لن أقول "اصبر"، فالصبر خيانة لجرحك. لكني أقول: اغضب، احتقن، انتفض في وحدتك، فكل خلية في جسدك تصرخ باسم الحرية. سجانوك يظنون أن الزمن يدير ظهره لك، لكن التاريخ يتسلل خلفهم كلص، يسرق أسماء الجلادين ويدفنها في سجل العار.
محمد، أيها الحالم بعكاز الكلمة، ستجيء لحظة يفتح فيها السجن أبوابه كيد مكسورة، وتخرج منها كالنهر الذي يعبر الصحراء. سنزرع ياسمينًا في مِزَقِ قميصك الممزق، ونكتب على جدران المدينة: "هنا مر رجل لم ينحنِ".
الليلة، أُشعل قنديلًا في شرفتي نحوك، من المدينة التي تحبك, أرسل ضوءه اليك يا من صرت وطنًا لكل الحروف الشاردة. العين تحدق في الظلام برهة، ثم تضحك: "هو قادم". فمن يقتل الكلمة يقتل نفسه قبلها.